لست ممن تبنى الفكرة لاإبان ظهورها ولا حين قرب أفولها، ومع أني أحرص على متابعة ما تجود به قرائح صانعي التقنية الإنترنتية، نسبة إلى الإنترنت، لم يستهوني التسجيل في الموقع ولامشاركة تفاصيل حياتي واهتماماتي مع "الأصدقاء" و"الصديقات"، ورغم إلحاح الكثيرين، ورغم علمي بأني أستطيع أن أتصيد فيه أخبار من يهمني أمرهم، وأنني أستطيع تكوين المجموعات التي تدافع عن أفكاري وقناعاتي في مجتمع يعج بالرأي والرأي الآخر واللارأي، بل حتى أنها كانت تأتيني أخبار الداعية الفلاني والمنشد العلاني ومقدم البرامج الشهير الذين سجلوا في الموقع، لكن قراري القاطع بالحفاظ على مسافة الأمان لم يتزحزح قيد أنملة.
مرت سنوات، طلبت معرف أحدهم لأستكشف عن قرب ما آلت الأمور، بحثت عن أسماء أناس أعرفهم وانقطع اتصالي بهم منذ سنين، وعن أشخاص آخرين شاركوني السكن، أو العمل، وعن وعن وعن..
وبالفعل، وجدتهم وصورهم، وأصحابهم وعوائلهم واهتماماتهم واختياراتهم في الحياة، وتوجهاتهم السياسية وأذواقهم الموسيقية وأكلاتهم المفضلة والبرامج التلفزيونية التي لايفوتونها ، أبطالهم، قدواتهم، مزاجهم..
علمت عنهم بكبسة زر أكثر مما علمت عنهم على أرض الواقع!
لن أطيل عليكم بوصف دهشتي واستغرابي واستهجاني ومناقشة الحس والوعي الأمني لدى هؤلاء لأن القادم يبرر الكثير، فالشاهد عندنا، وكما يشهد على ذلك العنوان أعلاه، هو حين كنت أصادف صور : كلنا غزة، سعدت في أول الأمر، شبابنا لايزال يتذكر غزة، ويرفعها شعاراً في الفيسبوك، ويعتز بنصرتها، لم تدم فرحتي طويلا، لأني في النهاية اكتشفت أن من يضع صورة غزة، هو نفسه من يفضل أغاني Pink، وينتمي إلى مجموعة معجَبي المطربة نانسي عجرم وإليسا، وأنه يعتقد أن توم كروز قدوة له، وأن مشروبه المفضل هو الكوكاكولا، ولديه اهتمام واسع بمجال السيارات، ولديه عدد لابأس به من الصديقات "المشلحات"، وإن كانت فتاة فأصدقاؤها "الجنتل" دائما يمرون من هنا ليتركوا لها تعليقاً "وااو" على جدار مساحتها الشخصية.
اكتشفت أخيراً أن الظاهرة أوسع من أن أحدها بأمثلة، اكتشفت من خلال التعليقات سخف من كتبوا ومن يردون عليهم، حتى حين يتعلق الأمر بالأمور الأكثر جديةً، وأن جيلا كاملا هنا يجعل من إقامة الصداقات وتبادل الصور وترك التعليقات أهم الأمور التي يفعلها حين يدخل إلى مساحته في العالم السرمدي للفايسبوك.
أحب أن أستثني من يستثى، لكنهم نذر يسير من سيل جارف، فإني أستغرب كيف يجتمع في قلب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستمتاع بأغاني مايكل جاكسن، أستغرب أن يظهر في السطر الأول كيف يحز في قلب شخص ما أن يقتَّل أهله في غزة تقتيلا، وفي السطر الثاني يعدد مناقب توم كروز الحاقد على العرب، أستغرب أن تعتبر الشيخ أحمد ياسين من العمالقة الذين غيروا التاريخ، و تكتب عند إحدى الصديقات، رائعة أنت في الصورة، أستغرب من أن تدعي حب وطنك، وفي نفس الوقت، كل كلامك يدل على أنك شخص ممسوخ الهوية لا تربطك بوطنك سوي بطاقة تعريف وطنية..
الكلام كثير، لاأدري هل يسامحنا أهل غزة ومجاهدوها إن زارونا على الفايسبوك، وإن سامحونا، أين نحن من الله عز وجل الذي يقول في محكم التنزيل: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) )الأحزاب: 4(.
ذاك بيان حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون له قلبان مفتوحان أحدهما للتوحيد مثلاً والآخر للشرك، أحدهما للإخلاص والآخر للرياء، أحدهما للحقيقة والآخر للكذب. أحدهما للحق والآخر للباطل. الأبيض أبيض، والأسود أسود. فعندما يختار الإنسان، يكون خياره واحداً، ومن يتوه بين الطرق، لايستطيع أن يتخلص من التشوش والضياع في عالم الفكر ولن يصل إلى أي مكان.
لانستطيع أن ننتصر طالما لم نحدد سبيلنا وخياراتنا، لانستطيع أن نكون نحن نحن، سنظل مجرد معرفات على الفيس بوك، تهتف حسب المواسم وحسب الرائج، وتغرق في بُعدها عن الحق، وتَحيك من وعي أو بدونه، أثواب الهزيمة لهذه الأمة. نحن لسنا تلك الدمى التي يعبثون بها كما شاؤوا، آن الأوان أن نفتح هذه العيون التي سكنت المحاجر وأغلقت عليها الجفون، آن الأوان لنكسر القيد، وننصر غزة
بقلم : خولة بوخيمة


























April 2nd, 2009
at 10:00
الغريب في الأمر أنه رغم غرابة كل ما ذكر في هذا المقال، فهو ليس كذبة من كذب ابريل
April 2nd, 2009
at 10:06
الكدبة هو أن المقال لم يكتب بقلم الكاتبة المغمورة خولة ولكن بلوحة مفاتيحها
للأسف كل ما يدكر صحيح…
April 2nd, 2009
at 12:07
السطحية يا أخي.. السطحية هي شعار جيل الديجيمون
الكل لديه الإمكانية أن يستبدل واقعه المر المليء بالكبت و الفشل بآخر يخيطه على مقاس الشهرة و النجاح و يكيفه مع تغير الأحداث و الموضات.. و النتيجة كما فصلتها : هوية “حربائية” ماسخة
April 2nd, 2009
at 14:14
وما يتير اشمئزازي عند زيارة صفحات بعض اصدقائي، ليس فقط صطحيتهم ولكن أيضا عزتهم بالدنب…
الله يجيبنا فالصواب أو صافي